الجمعة، مارس ٠٣، ٢٠٠٦


البهائية المتخفية والتحديث الاستبدادي . .. .الحلقة الثانية

أبو يعرب المرزوقي


ان مشروع المؤلف مشروع شديد الطموح. فلنحاول، في رسم أولي، ان نستخرج منطقه الداخلي ببيان شروط إمكانه وتحقيقه، ولوازم الإصلاحات التي يتضمنها، قبل فحص القيمة الذاتية التي لفقه الأسباب ولفقه نسب الدواء، فقهيمها اللذين سنعتبرهما مؤقتا حلين ممكنين، ذلك انّه لا توجد الا طريقة واحدة لتقديم البرامج السياسية: ينبغي قبل كل شيء ان نحدد شروط قابليتها للتطبيق، اعني طبيعة الوسائل السياسية التي يجب ان تتوفر لدينا لتحقيقها، وكلفة هذا التحقيق، وما لم يكن المؤلف ممن يريد ان يعد من السوداويين الذين يخلطون بين صياغة المشروعات السياسية وصب جام الغضب تعبيرا عن الحقد ضد الخصوم، أو ان يُحسب بين مؤلفي الأدب العجائبي، فانه لابد ان يقبل بطريقة التقويم السوي للخطط السياسية الناجعة.
واذن فسنتوخى منهجا تحليليا بالمعنى الرياضي للكلام، سنحاول، بطريقة الخلف ، اقناع القراء، ومنهم المؤلف ذاته، بطابع هذا المشروع اللامعقول ، وبعدم قابليته للتطبيق من دون الشروط الممتنعة والنتائج اللامحسوبة التي سنشير، في هذه المحاولة إلى أبرزها أكثرها دلالة، سنفرض جدلا، في مرحلة أولى، ان كل ما اقترحه المؤلف صحيح وصادق، لنقتصر على فحص شروطه ونتائجه، ولهذه الغاية المحدودة والمؤقتة تكفينا المقدمة والفصل الأول، لكونهما يحددان بدقة طبيعة المشروع التي يمكن ان نستنتج منها شروطه بما هي مقدمات، ونتائجه بما هي توالي، اما الفصول الأخرى فسنستعملها لاحقا. لفحص الإصلاحات التي يقترحها المؤلف "الفصل الثاني والثالث من كتابه". والسهم الحامل لهذه الإصلاحات وكيفيات تطبيقها التربوي "الفصل الرابع والأخير منه".
مفروضات قراءتنا النقدية
ينبغي ان نناقش الشروط التي تجعل العلاج التربوي المقترح ممكنا وان نناقش التشخيص ووصف الدواء اللذين يفترضهما هذا العلاج التربوي، على الأقل لعمومها على التيار الإصلاحي ايا كان جيله "والجيل الأخير هو السادس لكون ثلاثة انقضت في القرن التاسع عشر وثلاثة في القرن العشرين"، ان نناقشها قبل التحليل النظري والفلسفي الذاتي للمسألة الموضوعية. وسنقدم ، بعد ذلك ، تصور اللانبعاث العربي الإسلامي بديلا، يكون متخلصا من الهم الإعلامي، ورافضا حصر الفكر النهضوي الحقيقي في مجرد عملية همها ابراز ما يمكن ان يحلو للرأي العام الغربي عامة أهل الحل والعقد الإعلامي والسياسي الفرنسي خاصة. لا ريب في ان تطبيق بعض هذه الإصلاحات خلال تجربة سابقة لا يجهل أحد الآن آثارها على التربية والفلسفة اللتين صارتا مجرد أداتين توظفان في الصراع العقدي، ينبغي ان يحفزنا على الحذر الكثير إزاء إعلان المؤلف عن نواياه" فهذا التطبيق يقوي حساسيتنا لرصد كل ازدواج في الخطاب، ومع ذلك فسنحاول الاقتصار على ما يقوله المؤلف بصريح لفظه في محاولته أو على ما يتلو عن هذا القول الصريح بصفته شروطه أو نتائجه تلوا منطقيا لا مدفع له. ولن نفحص التجربة تلك وازدواج الخاب هذا إلاّ عرضيا. ذلك أننا نريد، قدر المستطاع، تجنب كل جدل عقيم للبقاء في إطار النقاش النظري دون الخروج عن حدود العمل الذي نفحص . وحتى يكون تحليلنا صارم المنهج ، فإنه ينبغي الا يضع في حسياته "التنفيق Marketing الذي تتميز به نزعة الجيل الأخير الإصلاحية نزعته التي يبدو مبدؤها وكأنه إرادة "بيع" أصحابها ذواتهم في الغرب، وينبغي ان يتجرد كذلك من تنفيق مماثل عند الأجيال الأولى من المصلحين الذين حصروا قيمة حضارتنا في تأثيرها على الغرب، ومن ثم في وجوهها التي يحددها هذا المعيار دون سواه لكان ما عداها عديم القيمة لعدم صلته بما صار معيار كل قيمة. فقد كان الدافع العميق عند رجل المصلحين من كل الأجيال دافعا برانيا ومطلق العرضية. ذلك ان تعليل الإصلاحات بالتماثل الجزئي والسطحي بين الحضارتين كان. عند اغلب الأجيال الإصلاحية، الأساس الوحيد للتقليد البليد الذي سمُي فكرا إصلاحيا، فالموقف الدفاعي عند الأجيال الأولى من التحديثيين المغلوبين، والموقف الجريء على التشويه الذاتي عند مغفل المقتنعين Convaincus من الجيل الأخير، كلاهما غير سوي، ينبغي ان يكون الرأي الذي يمكن ان يراه الغرب الإعلامي والرسمي في حضارتنا الماضية والحالية أدنى هموم كل من يفكر تفكيرا فعليا في شروط إمكان الانبعاث السوي والقوي والمستقل. لا شيء غير الحقيقة والمعنى يقبل ان يكون محط اهتمام الفكر الحقيقي الأصيل.
المسائل التي ينبغي علاجها
هل يمكن للحكم في الأمور بمقتضى النظرة المرضية والطبية انطلاقات من حال صحية مطلقة يمثلها التدبير الروحي والزماني للمجتمعات الحديثة بصفتها القيمة الأسمى ، هذا الحكم الذي نقبل به مؤقتا دون احتراز، هل يمكن له ان يعتبر حلا قابل للتحقيق بكلفة سياسية مقبولة، علما وان شروط إمكانه السياسية والتاريخية قد تجعله علة رئيسية لحرب دينية تنتهي إلى عكس النتيجة المرجوة فتعيدنا إلى القرون الوسطى؟ هل صحيح ان النهضة تُطرح في شكل خيار بين خليتين ليس لغيرهما من وجود، وان الخليتين الوحيدتين الممكنتين والمتـنافيتين هما ما عينه المؤلف ، اعني التقليد الذي تدعو إليه الأصولية الدينية (تقليد الماضي العربي الإسلامي) والتقليد الذي تبشر به الأصولية اللائكية (تقليد الماضي الغربي لأن كل حاضر تحقق يصبح ماضيا)؟ ألا تكون النهضة الحقيقة بالأحرى سبيلا أخرى من طبيعة مختلفة تمام الاختلاف هي سبيل اختراع المستقبل بدلا من البحث عنه في الماضي، سواء كان هذا الماضي ماضينا أو ماضي غيرنا؟ هل يمكن للقاعدة الفلسفية التي تستند إليها النزعة الراديكالية الإصلاحية المصادقة في حداثتها والملتزمة بها التزما ولها ان تحافظ على هذا التناسق الظاهري عندما نكون قد حددنا طبيعتها وشروطها ونتائجها وأوضحنا تصدعاتها التي يحاول الخطاب المزدوج ان يخفيها؟ إذا كان المؤلف صادق القصد، كما نتمسك بافتراضه، فانه لابد ان يعترف ، في ضوء شروط الإمكان الضرورية لتحقيق مشروعه، بان الخطاب المزدوج لا يمكن ان يغالط أحدا بمن في ذلك الرأي العام الذي يتوجه إليه، لكن الإصلاح الروحي يخضع دائماً لشروط تختلف تمام الاختلاف عن التي يراها مثلما حدد ذلك، بين كثير غيره، صاحب "منبعي الأخلاق"، واخيرا، فهل سيواصل المؤلف تحمل تبعات كل النتائج عندما يكون التحليل الصارم قد بين الطبيعة الحقيقية لشروط إمكان مثل هذا المشروع ولشروط تحقيقه؟ ام انّه سيكتفي بالدفاع عن يتوبيا Utopie المحل الوحيد فيها لتدخل الإصلاحيين الراديكاليين الممكن لن يكون الأحداث التاريخية الحقيقية للحرية الخلاقة؟ ان المعارك الإعلامية التي يكون فيها حلم النخب الدعية على كل شيء قديرا والتي يكون فعلها فيها على كل شيء عجوزا، لا تليق بالمصلحين الجديين والصادقين! يتصور المؤلف مجتمعنا الحالي مجتمعا حل نظامه التكويني والتربوي مشاكل التطور والنمو العلمي والفني والخلقي والاجتماعي جميعا فلم يعد له من مهمة عاجلة الا التمحض للحرب الدينية. تلك هي معركة هذا المشروع الأساسية. فحضارتنا لا تعاني الا من داء واحد حقيقي هو داء الوهمين الرئيسيين، اعني وهم الوحدة العربية ووهم العظمة الإسلامية، وبخاصة هذا الوهم الأخير الذي يذكي نار العقائد الدينية عامة والفقه على وجه الخصوص. فعنده ان هذين الوهمين يمثلان العائق الرئيس أمام تقدم مجتمعاتنا وتطورها. وعنده ان صمود المثال الأعلى الإسلامي في الأذهان، هذا المثال الأعلى الذي حصره في دور وحيد هو تأسيس المعتقدات التي من جنس ما يقبل به فلا يستأصله ومن جنس ما يرفضه فيسعى إلى فجوه. هو المنع الوحيد للأخطار القصوى التي تتهدد نجاتنا بكرامات الحداثيين. ليس بوسعنا ان نصارع الدكتاتورية الموجودة بالقوة في الأصولية الدينية إلا بتربية واحدة البعد أساسها العقيدة اللائكية المؤمنة بالحداثة الملتزمة والصادقة اعني الأصولية المضادة للدين مضادة تشترط دكتاتورية موجودة بالفعل . ينبغي ان نهارض الشمولية الموجودة بالقوة والتي قد تنتج عن الأصولية الدينية فتحرمنا من أخبار الحداثة بتهديد ثمراتها الإيجابية التي نراها في جميع وجوه حياتنا الخلقية والقانونية والاجتماعية والسياسية بشمولية موجودة بالفعل وليس بالقوة فحسب وملتزمة التزاما ثابتا غير متردد لتحقق إصلاح اللائكية من حيث هي غسل أدمغة بالأداة التربوية. يرى المؤلف ان الأنظمة السياسية العربية والإسلامية في شكلها الحالي لا تكفي للحيلولة دون إمكانية الشمولية الأصولية الدينية. فالسياسيون العرب تنقصهم الجرأة. وهم لا يلتزمون التزاما صادقا بالحداثة، التزاما يحقق الإصلاح الراديكالي تحقيقا فعليا وتاما. انهم لا يذهبون إلى غاية ما ينبغي ان يذهبوا إليه فلا يختارون الشمولية التامة التي تمكن الحداثيين المستنيرين والصادقين من تحقيق غاية عقيدتهم اللائكية، فيستأصلون أسباب الشقاء الإسلامي بواسطة التربية. ذلك ان المؤلف لم يقدم في علمنا بكيفية الحصول على التأييد الشعبي لتحقيق إصلاحه تحقيقا ديمقراطيا. فلعله لا يرى داعيا لذلك، ولعله يتصور الاستغناء عن هذا التأييد أمرا مفروغا منه. ذلك انّه لا يجهل ان الأصولية اللائكية، مثلها مثل كل أصولية، لا يمكن ان تترجم إلى واقع فعلي إلا بواسطة شمولية جنيسة لشمولية ستالين، رحمه الله ومتع المعجبين به في شبابهم وكهولتهم بعد ارذل العمر بلقياه. لذلك فانه لابد من ترجمة لوم المؤلف السياسيين العرب على عدم التزامهم بالتحديث الصارم وعلى عدم صدقهم في الإصلاح اللائكي بمن فيهم من كانوا اشد القادة تتريكا لشعوبهم اعني أكثرهم إعجابا باتاترك. لابد من ترجمة هذا اللوم ترجمة تسمي الأشياء باسمائها دون مواربة. فهو يلوم السياسيين عن الميوعة التي مارسوا بها فعل التحديث، أي عن عدم الصلابة الستالينية! ذلك ان المؤلف يعلم انّه من دون هذه الصلابة لا يمكنهم ان يمدوه هو ورفاقه الحداثيين الملتزمين بالحداثة التزاما صادقا وصلبا من الوسائل اللازمة لتحقيق سياستهم. ان ما يعيبه المؤلف على الحكام العرب المصلحين هو اذن افضل ما عندهم، ان سلمنا بان لهم ما يمكن ان يوصف بالفضل: البراغماتية والحذر السياسي في التعامل مع مثل هذه الأمور الحساسة، اعني رفضهم المغامرة الراديكالية اللائكية التي أطلق عليها تقريضا كنية الالتزام الصادق بالحداثة: فالمؤلف قد ذكر بصريح عبارته مقدمات هذا الاستنتاج بل أحيانا بضع نتائجه. ذلك ان ازدواج الخطاب لا يتعلق بهذا المستوى الأول من مشروعه، هذا المستوى الذي لا يحاول المؤلف ان يخفي منه الا طبيعة الوسائل السياسية التي يشترطها. وانما يخص الازدواج تقديم مشروعه بصفته محاولة صادقة للدفاع عن الإسلام الحقيقي. وتلك هي علة ادعائه الانتساب إلى حركة الإصلاح العقلاني التقليدي. فلا يكون لمشروعه بهذا المعنى من دافع عدا الإرادة الصادقة لإزالة سوء التفاهم التاريخي بين الإسلام والحرية! وحتى لا يعترف بان مستوى مشروعه العميق اعني مستوى الاستئصال يشترط إمكانه وتحقيقه اكثر الشموليات إطلاقا. يتظاهر المؤلف بمصارعة الأنظمة العربية التي يعيب عليها انعدام الديمقراطية! وهو يعيب عليها خاصة كونها دكتاتوريات دون مبرر لكون سياستها الدينية المحتشمة والمترددة كان يمكن ان تستغني عن اللجوء إلى مثل هذه الممارسات! لذلك تراه يذهب إلى منح الرئيس بورقيبة شهادة في حسن السيرة العربية والإسلامية. لكونه هو بدوره، رغم اتاتركيته، لم يكن صادقا في حداثته، وهو لا يعيب عليه الامراء واحداً اعني لجوءه إلى ممارسات دكتاتورية لم تكن في حقيقتها الا نزوات ليس لها مبررات! يكفي لتحديد ضرورة هذا الاستدلال المنطقية، ان تعرف طبيعة الداء الحقيقية ، الداء الذي يريد المؤلف استئصاله والعلل التي من اجلها لا يمكن لهذا الاستئصال ان يحصل الا بصورة شمولية. ذلك ان خطر الحكم الأصولي الديني الذي قد يوجد بالقوة أو حتّى بالفعل ليس هو الا العرض السطحي لداء وحيد حقيقته اتم واعمق. فكل محاولات تفسير الأصولية بأسباب أخرى رفضها المؤلف رفضا قاطعا، لكون الداء الحقيقي عنده ليس إلا الوهم الأساسي، اعني انبعاث المثال الأعلى الإسلامي الذي ليس له من وظيفة الا تأسيس الكاريكاتور القانوني عامة والقانوني الدستوري خاصة، هذان القانونان اللذان ينسبهما المؤلف إلى الإسلام باتفاق تام مع التصور الذي يقول به اكثر الأصوليين تطرفا.
لكن الانتقال من هذا القول إلى القول ان المؤلف يحاول استئصال الإسلام ذاته قد يبدو فيه الكثير من التجني ومحاكمة النوايا، لذلك فانه ينبغي ان نثبت هذه النتيجة التي تبدو حكما متسرعا. ويمكن ان نثبت ذلك بطريقتين. فأما الطريقة الأولى التي قد تبدو طريقة عجلى، فتتمثل في الجواب عن السؤال التالي: هل لملاءمة القيم الدينية مع قيم الحداثة حد تقف عنده ام هي مطلقة لا حد لها؟ ان تحديد هذا الحد، ان سلمنا بوجوده، لا يمكن ان ينبع إلا من الإيمان، وإلا فانه يصبح منتسبا إلى الملاءمة، وعندئذ لا يكون الفرق بين المواقف من التعالي الديني إلاّ كميا بالقياس إلى الملائمة مع الحضارة، فتكون عندئذ ملائمة كمية لا كيفية، لا وجود للمشكل إذن إلا إذا نفي الحد مما يجعل الحداثة المعيار الوحيد المتعالي فيكون استئصال الدين الغاية القصوى لهذا التصور. وذلك هو ما يبدو عليه رأي جماعة الحداثة الصادقين وغير المترددين! لكن الطريقة الثانية هي التي تؤيد هذه النتيجة بصورة برهانية. فالمؤلف يسلم بان المنسقين القانوني والدستوري الإسلاميين لا يؤثران بوجود فعلي ما، بل بمجرد وجود مبدئهما في الأذهان وجودا محصورا في تأثير النخب الدينية بتوسط التربية التي يريد إصلاحها من هنا اشتراكه معهم في طبيعة الأداء التي يستعيرها منهم ولا يختلف عنهم الا بالمضمون المقابل لمضمونهم). وهذا التأثير هو الذي يفعل بالإبقاء على وهمية العظمة الإسلامية والذاتية العربية لشعبنا. وإذن فالمؤلف يعترف للنخب الزيتونية العميلة والرجعية والأصولية (رحمهم الله وعزاهم في بلواهم مما آتاهم من ضناهم) بنجاح شيطاني مضاعف يتمثل أولا في إلجاء أبنائهم بتمكينهم من التعليم الحديث. وثانيا في الانتقام من الصادقين الوطنيين والتقدميين والحداثيين الذين أزاحوهم. وكانت وسيلة الانتقام إغراق الشعب في الجهل والتعصب بواسطة برامج التربية الدينية المنغلقة على العروبية والإسلام. وفضلا عن الاحترام الذي نكنه لآبائنا لكونهم اغلبهم من النخبة الزيتونية (وانا مدين بذلك لأبي وأخي الأكبر اللذين أنزههما عن هذه النوايا والمذمات)، فانه لا يمكن ان نسمح بمثل هذه الوقاحة التي تستند إلى مزاعم كاذبة أساسها تاريخ دعائي للحركة الوطنية يطبعه الدس والتحيز! والمعلوم ان المثال الأعلى الإسلامي مثله مثل كل المثل الثابتة في أخلاق الثقافة الموضوعية (Die Sitsllchkeit) وفي أخلاق المواطنين الذاتية (Die Moralitat) يؤثر بضروب وجوده الخمسة:
1 – بوجوده في النصوص المقدسة .
2 – بوجوده في الممارسات الدينية.
3 – بوجوده في المعالم التاريخية .
4 – بوجوده في التوثيق المكتوب.
5 – واخيرا بوجوده في الطموح إلى العظمة التاريخية التي تنتج عنه
والمعلوم ان برامج التربية الدينية في المدارس لا تتضمن ، كما هو الشأن في كل بلد سوى الأخلاق وصحي الثقافة، الا عينات من ضروب الوجود الخمسة التي للمثال الأعلى الديني.

ملاحظة : القسم الأول في الراصد العدد 953

القدس العربي : 29 / 10 / 1999 م

البهائية المتخفية والتحديث الاستبدادي ....الحلقة الأولى

البهائية المتخفية والتحديث الاستبدادي ....الحلقة الأولى
فرق ترى في الإسلام والعروبة مصدر للتخلف وفي الاندماج بحضارة الغرب حلا

أبو يعرب المرزوقي



تمهيد :
وعدت القارئ الكريم بمواصلة العرض النقدي للمصنفات التونسية الناطقة بالفرنسية، والساعية أصحابها لتوطيد تبعية الشعب التونسي الحضارية والفكرية، من اكثر مظاهر وجوده سطحية إلى اشد أعماقه باطنية. وهاأنذا اصل، في ثالث محطة، إلى كتاب أحد الممثلين المشهورين لهذا الاتجاه، اعني كتاب الإسلام والحرية، سواء التفاهم التاريخي الصادر بباريس عن دار Alhin Michl بتاريخ 1998. وقد ندبت نفسي لفضح هؤلاء الأدعياء طلبا للحقيقة ولوجه الله أولا واساسا، ثم لعلتين ظريفتين ثانيا وعرضا . وسأشرع عما قريب، ان شاء الله ، في الرد على جلسائهم ممن توخى الكتابة بالعربية في نفس القضايا من نفس المنطلقات ولنفس الغايات، حال الفراغ من شركائهم في هذه السخافات . فكلاهما جعل الدين الإسلامي والمؤسسات الرمزية واللغة العربية وأمصار الحضارة العربية عامة ومصر بالخصوص موضع حقد لم أر له مثيلا: فهم يصبون جام غضبهم ونجماتهم على هذه الرموز بصورة لم يجرؤ عليها اكثر أعداء الأمة سلاطة ووقاحة.
والمعلوم ان كلتا الفرقتين تعادي الإسلام والعروبة متدرعة بالدعوة إلى الحداثة والإصلاح، لكان أصحابهما ينفون عن غيرهم الدراية بالحضارة الغربية التي يحصرونها في قشورها لجهرهم المخجل بأهم مقوماتها. وقد اشتهرت كلتا الفرقتين بالحط النفسي من كل الرموز والأصول لتيسير الانبتات ، فالاندماج في ما يقدمونه بديلا مما يعتبرونه مصدر التخلف : الانبعاث الإسلامي والوحدة العربية . ويتصدون للأول بالهجوم على الزيتونة والأزهر قلبي تونس ومصر النابضين واساسي انتعاشهم الحضاري والروحي. ويحاربون الثانية بالحيلولة دون إحياء اللغة العربية ومنعها من استعادة منزلتها التي افتكتها منها الفرنسية داعين إلى الاندماج في حضارة المستعمر بديلا من ثقافة الصحوة العربية التي لا تمثلها مصر تمثيل المهيمن ، إذ هي خلافا لباريس. تشترك مع تونس في نفس الدور الريادي المعد للانبعاث المستقل والحر للعرب خاصة والمسلمين عامة فكلتاهما مركز مؤسس للإشعاع الحضاري العربي الإسلامي منذ التاريخ الإسلامي. وكلتاهما قاطرة للصحوة المستقلة التي تبني الحداثة الحق. ليس بينهما تابع ومتبوع بل هما خلان واختان. لذلك فهما سد منبع يحول دون التبشيري ذي الطلاء الحديث والمضمون القديم شتان اذن بين التشيع للاستعمار الثقافي والروحي الذي هو اعمق أنواع الاستعمار والتذيل لعواصمه ، وبين التشيع لاحياء الوحدة الحضارية والروحية للامة العربية قاطرة للعالم الإسلامي في صحوته وانبعاثه ليمثل خيارا مختلفا ومستقلا نقدمه للإنسانية لكونه لا يقل قيمة ولا عظمة عن الخيارات الحضارية الأخرى. ليس في ذلك ما في الأول من تذيل وتحيل. انّه هو عين الإيمان بالحرية والعنفوان أسمى قيم الإنسان .
ولنعد إلى العلتين الظرفيتين. فالعلة الأولى للرد عليهم ذات فرعين هما:
1 _ بيان خلوهم من الشروط الدنيا للخوض في مثل هذه المسائل لجهلم بحقيقة الأمور في الحضارة العربية الإسلامية التي يحطون من شأنها وفي الحضارة الغربية التي يقدسون سطحياتها ويجهلون أعماقها.
2 – بيان استناد أصحاب هذه المشروعات الصريح على الدعم الفرنسي والفاتيكاني في محاولاتهم فرض تصوراتهم على البلاد والعباد.
لذا ان اغلب النظم العربية تسعى ، بقصر نظر لا مثيل له، إلى تدجين الجامعات وإخضاعها للأيديولوجيات الحزبية. وعدم استنادها إلى شرعية ديمقراطية يجعلها، مثل النخب، خاضعة إلى الرأي العام الغربي اكثر من خضوعها إلى الرأي العام الشعبي فالجل لا يستمد وجودا شرعيا من الثاني بل مصدره في الطبيعي من الأول الذي يساعده ولو بمقابل هو الحد من الاستقلال ورهن المستقبل . وتلك هي علة الدور الذي يؤديه مثل هذه النخب غير المدركة لطبيعة التحديث المستقل: فلا شرعيتهم الجامعية بنت العمل العلمي الصور في تحليل الأمور، ولا شرعيتهم السياسية ثمرة العمل السياسي الدؤوب في نوعية الشعوب بغطرستهم في الجامعة بنت صلتهم بالحكم وتدلعهم " في السياسة ثمرة صلاتهم الخارجية.
والعلة الثانية للرد عليهم هي اعتبار عرض أعمالهم النقدي مناسبة لعلاج القضايا التي شوهوها. العلاج الإيجابي، العلاج الملائم من منطلق بذل أقصى الجهد لابراز جوهر الحضارة العربية الإسلامية واقصى الحرص على المعرفة الدقيقة بأسس الفلسفة الغربية التي لا يمكن ان تدرس في مبتذلات التقريب الجمهوري مثلما يفعل هؤلاء الأدعياء في تصديهم للإصلاح الحضاري وكأنه مجرد تعويض لبعض قطع الغيار في محرك عاطل ـ كما انّه لا يمكن الاطلاع عليها من خلال الترجمات الفرنسية التي أصبحت سبيلهم الوحيد "لانفتاح" حقيقته الوحيدة هي الانغلاق على موضات باريس.
ينبغي للمرء أن يخصص لذلك ما يلزم من الوقت لدراستها في مواطنها الأصلية وبلغات أصحابها ما أمكن ذلك، وينبغي كذلك أن نترجم جل ما تعرض منها للفكر العربي في المجال الفلسفي والديني وفي المجال الأدبي والشعري اعني في المجالين اللذين اعتبرهما ممثلين لجوهر الروحانية المميزة لكل حضارة. فليس من المعقول ان تصبح أي لغة مهما سمت بديلا من العربية فضلا عن الفرنسية التي هي دون العربية انتشارا علما وان العربية قد أصبحت لغة العلوم والفلسفة قبل أن توجد لغات أوروبا الحديثة جميعا والفرنسية إحداها.
ونقدم للقارئ العربي الترجمة العربية من تعليقنا على كتاب الإسلام والحرية تعليقنا الذي كتبناه ونشرناه بالفرنسية في تونس. وليعلم القارئ الكريم أن هؤلاء الأدعياء ليسوا، كما يزعمون أو كما قد يبدر إلى ذهنه، من المتمكنين في الفرنسية، اللهم إلا إذا كانت اللغة الشبيهة بلغة جاليات العمال في المهجر لغة يعتد بها. ففرنسيتهم من اكثر الفرنسيات هزالا. وهي فرنسية لا تكاد تتجاوز مصطلحات اختصاصهم الذي هو، في حدود علاجهم التقني حصرا، اقل الاختصاصات ثراء لغويا بحكم الرتابة القانونية في الصياغة اللغوية‍ وذلك هو مصدر إعجابهم الغفل بما لا يتجاوز حجى أي طفل: فالجهل المريع هو اصل كل داء فظيع كما قال حجة الإسلام في تصدير التهافت وكما أيده فارس الافهام في رمزه اللافت.
خلافا للعملين اللذين مثلا فرصتين عالجت فيهما مسألتي الهوية. أصول الحكم في الإسلام .دون التوكيد على مضمونهما، فان كتاب الإسلام والحرية يبدو، للوهلة الأولى، جديرا باهتمام اكبر، لكون صاحبه يقدم نفسه بصفته من ورثة التيار الإصلاحي. ولا ريب في ان الكثير من القرائن يبين انتساب المؤلف إلى نزعة كاتبي العملين المشار إليهما، نزعتهما ذات الحس المعادي للعرب والمتيم بحب فرنسا، كما يتبين ذلك لكل قارئ موضوعي اطلع على كتابه . ولا ريب ان له، كذلك ، مثل أصحاب هذه النزعة، نفس التصور الساذج لتاريخ الفكر، سواء كان هذا التاريخ عربيا إسلاميا أو غربيا، ونفس الفلسفة التاريخية إذا صح وصف نظرتهم السطحية والمانوية لتطور الحضارات الإنسانية هذا الوصف .
واخيرا فانه يقاسمهما نفس الموقف الهجائي إزاء الثقافة العربية والإسلام وخاصة إزاء المؤسسات والنخب الدينية في تونس ومصر بالذات، لكونها، حسب رأيهم، مصدر البلاء كله، ربما لاسهامها بعض الإسهام في تخليص المغرب العربي من الاندماج في فرنسا . أما الشعب الذي يكثرون من التودد إليه فهم يحتقرونه . لكونه يقزز رهافة حسهم الحديث !
واخيرا فان أدهى ما في "الأفكار" التي يدافع عنها المؤلف هو كونها "شديدة البداهة إلى حد البلاهة" فيصعب من ثم تصديقها. انّه يقابل جهنم الأصولية الدينية بجنة الحداثة الأصيلة، دون أدنى تجرد فكري أو نقدي!
وتتمثل نجاعة هذا الموقف الوحيدة في الحيلولة دون كل نقاش، لانه ليس ايسر من وسم المناقش بتهمة الأصولية لإسكاته إذا فرضناه تجرأ فرفض ان يبدو حديثا بأي ثمن، خاصة إذا كان من الطامعين مثلهم في "منزلة سياسية" أو "إدارية" أو حتّى من الراغبين في تجنب المتاعب والمصاعب. لكن ذلك لا ينفي ان الاطروحات التي يعرضها مؤلف الإسلام والحرية، سواء بمقتضى تقليد عائلي أو بمقتضى قناعة ذاتية أو حفاظا على شعرة معاوية، إذ لا أحد ييأس من العودة إلى الوزارة، تبدو اطروحات منتسبة إلى الجناح الراديكالي من التيار الإصلاحي الذي يصرح بان دافعه الأساسي هو تحقيق المصالحة بين الإسلام والحداثة رغم تصوره إياهما تصورا دغمانيا وساذجا. ذلك هو على الأقل ما يصرح به المؤلف . ومثل هذا الموقف الذي لا يمكن التشكيك فيه، من دون اتهام مجحف للنوايا . يوجب ان نتوسل ضربين من العلاج نحلل بهما الإشكالية التي يتصدى لها المؤلف ، ففعل بيان الوهاء العام الذي يتصف به هذا المشروع يكون الضربة القاضية على هذا التيار بكاملة، بحكم منزلة المؤلف بين المنتسبين إليه .
فأما الضرب الأول فغايته عرض مضمون الكتاب وتقويم التحليلات الواردة فيه، من حيث تناسقه الداخلي ومن حيث الحلول المقترحة في المشروع نجاعة حضارية وكلفة سياسية. وسنحاول فيه الجواب عن السؤال التالي: هل كتاب الإسلام والحرية يقدم جديدا يمكن من تجاوز النزعة الإصلاحية المزعومة عقلائية. والتي تـنتسب إليها النزعة الراديكالية التي ينزل فيها المؤلف مشروعة غير الأصل مرتين (لا هو إسلامي ولا هو حديث)! وهل تجاوز تناقضها الأساسي وعدم جدواها الجوهري؟ ذلك ما سنحاول تقويمه استنادا إلى شروط إمكان تحقيق المشروع الإصلاحي المقترح ومن النتائج القصوى التي تنتج عنه.
أما الضرب الثاني من العلاج، فسنحاول فيه تجاوز تشخيص المؤلف التبسيطي تشخيصه الذي بقى دون تصورات المنتسبين إلى جيل المصلحين الأوائل. لكي نحدد طبيعة الأزمة الحالية التي تعاني منها الإنسانية جميعا لا الحضارة العربية الإسلامية وحدها. خلافا لما يحاول إقناعنا به هؤلاء المصلحون الراديكاليون عامة والمؤلف على وجه الخصوص. سنحاول، في هذا القسم الثاني ، تحليل النهضة العربية الإسلامية، من حيث هي أفق كوني ممكن، بعد أن نكون قد بينا إفلاس الحداثة إفلاسها الذي صار غنيا عن البرهان وإفلاس الحركات الإصلاحية سواء انتسبت إلى المحافظة أو إلى الراديكالية من الجيل الأول أو من الجيل الأخير، سواء كانت من طبيعة لينة (الفنيات التربوية والقانونية) أو من طبيعة غليظة (الفنيات السياسية والتسلطية) . فهذان الصنفان الأخيران من الإصلاح متضايقان عند انعدام الشرعية الديمقراطية والخلقية التي تمكن بوجودها مباشري الإصلاح المحدثين من مضاهاة الشرعية الدينية والروحية التي يسلم بها الشعب للنخب التي يريدون الإطاحة بها، فيحققون ذلك بطرق ناجعة وسلمية. لكننا سنعرض هذا المستوى الثاني من دراستنا هنا عرضا موجزا وللتمثيل المذكر بمبادئ هذه الإشكالية الأساسية. ذلك أننا قد خصصنا لها أعمالا سابقة باللسان القومي. واليك المشكل الذي نريد الشروع في صياغته وبقدر الوسع الإسهام في حله: هل أزمة الحضارة العربية الإسلامية مجرد أزمة نسبية تقبل الإرجاع إلى تخلف ينبغي تجاوزه، مثلما يتصور المصلحون؟ أم هي أزمة مطلقة تعطينا ساندة جديدة نعيد فيها وضع أسئلة الوجود الإنساني الجوهرية عامة بمقتضى تصور آخر للإنساني والإلهي ومن ثم تصور آخر لمعنى الإسلام وحقيقته بوصفه إصلاحا روحيا وخلقيا وسياسيا كونيا؟ ألا يمكن لهذه الأزمة أن تكون فرصة تاريخية تسكننا من تحرير الروحانية الإسلامية من تقليد المصلحين تقليديهم الذي حصر الإصلاح. برد فعل مطابق لأطروحة الاستـشراق الأساسية، في مجرد مدرك (ضد كاريح) لتنمية سلالة ETHNiE خاصة عصية عن كل تحديثه مستورد وإدماجها فيه لكونها دائمة التعلق بوهمين، وهم انبعاث المسلمين الروحي ووهم توحيد العرب؟
الغاية من مستويي العلاج
وتبقى الغاية من ضربي العلاج، دائما، الإرادة الصادقة سعيا لإيجاد أرضية تفاهم مع كل من له الصبر النظري والتعقل العلمي اللذين تتميز بهما المعرفة الفلسفية ، مع كل من يبحث عن فهم الموضوع المدروس قبل الشروع في أي عمل كان ، وإذن مع كل من يريد حقا أن يبحث كل وجوه المسألة الموضوعية بحثا نسقيا، سنحاول التفكير في شروط إمكان النهضة دون ان يكون تقصينا مقصورا على الفنيات الانتخابية التي تلتـفظ من الروحانية الإسلامية الوجوه التي تصلح للعبة الاستـفادة الإعلامية بنقد الحضارة الإسلامية نقدا يعجب أعداءها ولا يخدم مصالحها.
فليس مخاطبنا الرأي العام الرسمي الفرنسي . ولسنا ممن يحاول ان يثـقل وزنا قد يساعده على أداء دور سياسي وهمي، ذلك ان السياسة الوحيدة التي لها قيمة عندنا هي أولا واخيرا، حسبان الرأي العام الوطني قبل أي حسبان لكونه هو مصدر الشرعية الوحيد بشرط ان يكون تعبيره حرا خاصة إذا تعلق الشأن بأموره الروحية والخلفية، ولعل المؤلف يوافقنا على ان تسرع المهرجين الذين يريدون إشباع رغبتهم في تحويل العالم قبل تحليله. ومن باب أولى قبل فهمه وتأويله، يوافقنا على ان هذا التسرع يمثل العلة الرئيسية لكل النكبات التي تعاني منها نهضتنا وخاصة منذ "الاستـقلالات " الظاهرية.
فالانبعاث الخلقي والروحي الذي نريده سلميا وسويا وحرا ومستـقلا ينبغي ان يكون سبيلا ذاتية للدخول في الكونية، ينبغي ان يتجنب هذا الانبعاث كل قطعية مع الإصلاح المحمدي للأمر الديني بوصف هذا الإصلاح رسالة كونية تحدد علاقة جديدة بين الروحي والزماني متخلصة من فصام الحياتين المتوازيتين سواء كانت فرديتين أو جماعيتين ، ذلك ان الكونية الحية التي هي دائبة التحدد، بصفتها أفقا مثاليا للأخلاق الموضوعية المستقلة ، لا يمكن ان تكون إلا ثمرة التطور المتصل والبطيء فليس يمكن للكونية ان تكون ايا من الأشكال الحاصلة بعد، ايا كان كمالها، وهي في كل الأحوال، لا يمكن ان تكون الشكل الحديث من تحقيقها، خاصة إذا حصر هذا الشكل في التصور الوثوقي الذي نجده عند أصحاب العقلانية الساذجة ، ومن ثم عند ذوي النزعة المتعصبة والأصولية من حيث لا يعلمون. ولعل المؤلف يوافقنا، دون شك على ان الإصلاح الروحي والخلقي لا يمكن ان يكون ثمرة الترقيع المتسرع الذي يقدم عليه بعض الناشئ من السحرة الظانين أنفسهم مكلفين برسالة استئصال ما لم تستطع رسالة التحضير الغربية اقتلاع أصوله الثابتة في الأرض. أتراه يثق في من لم يفهم بعد ان الدعوة اللائكية اكثر أصولية من ردود الفعل الصامدة والرفض اللذين يتولدان عنها؟ سنقصر هذا العرض على المرحلة الأولى من مستوى التحليل الأول، اعني على منطق المشروع الداخلي وشروط إمكان النزعة الإصلاحية التي تزعم نفسها عقلانية وراديكالية ونتائجها القصوى في الإطار العام الذي اختاره المؤلف نفسه دون سواه .
مضمون كتاب الإسلام والحرية
حتّى يكون القارئ العربي على بيئة من محتوى الكتاب لابد من عرضه بأكثر دقة وموضوعية ممكنتين، فلسنا ممن يسكت الخصوم، ولا ممن يزيف صريح مقاصدهم والمفهوم. لعلمنا ان من شروط الرد المفحم العرض المعلم، يتألف كتاب الإسلام والحرية من مقدمة واربعة فصول ذات حجم وقيمة غير متعادلة، فالمقدمة (المقدمة: ص 7 _ 23) تعرض إشكالية الإصلاح العقلاني الراديكالي عند الجيل الأخير من الإصلاحيين. انطلاقا من التاريخ النقدي السريع للسياسة الدينية التي توختها الأنظمة والسياسيون العرب الأكثر تمثيلا لهذا التاريخ منذ الاستقلالات (نظاما البعث والناصرية والبورقيبية والبومدينية). ورغم ان المقدمة تبدو تأسيسا لخطة الكتاب بشرح مراحله وتدبيره. فإنها تمثل جزءا لا يتجزأ من الفصل الأول الذي هو تاريخي كذلك، لكون موضوعه هو دراسة النخبة الدينية والأصولية الإسلامية (الفصل الأول: ص 25 _ 61). فهي مثله تبحث في أعراض المرض الذي تعاني منه ثقافتنا بحثا تاريخيا. كما نجد فيها إرادة صريحة تحمل سياسة التحديث التي لم تكن حقا لائيكية مسؤولية الأصولية التي يريد المؤلف استئصالها بإصلاح الإسلام، مستعملا لذلك المدرسة سهما حاملا للتلييك Laicisacion بقي دونها النموذج التقليدي الذي توخته الجمهورية الفرنسية الثالثة.
اما الفصلان الثاني والثالث فيمثلان ما يمكن ان نسميه التعليل الديني لنفس الظاهرة والتعليل اللائكي للبديل منها، الإسلام والقانون (الفصل الثاني : ص 63 _ 156) والإسلام والدولة (الفصل الثالث: ص 157 _ 202). اعني ما يعتبره المؤلف في الوقت نفسه اصلي المرض ومجالي فعل الإصلاح الذي يسعى إليه. ويتأتى بعد ذلك الدواء التربوي الذي يقترحه المؤلف في الفصل الرابع والأخير بعنوان التربية والحداثة (الفصل الرابع: ص 203 _ 250). ويحدد المؤلف مخ هذا الحل سلبا بإصلاح الإسلام استنادا إلى الحداثة مثالا أعلى، وإيجابا بالبلاسم التي تصورتها فلسفة الأنوار اعني الوضعية الساذجة والفكر الفلسفي الغفل الذي يقتصر على أيديولوجيا التطبيق المباشر، لاكثر الأفكار سطحية واقلها نقدية.
وإذن فهذا الكتاب يتألف من ثلاث مراحل تقبل الوصف بعبارة طبية: فقه الأعراض Semiolugie أو تأويل الأعراض المرضية (المقدمة والفصل الأول: تاريخ التحديث المتردد ونقد الحركات السياسية والمؤسسات الدينية التي صارت مصدر الأصولية)، 2 _ فقه الأسباب Fliologie أو تحديد أسباب المرض (الفصلان الثاني والثالث : تخليص القانون والسياسة من الإسلام).
3 _ وفقه نسب الدواء وترقيته Posologie أو تحديد الكيفية التي سيتم بها استعمال الدواء (الفصل الأخير: تربية غسل الأدمغة بقيم الحداثة والعلموية)، لعلاج المرض الذي تعاني منه الحضارة العربية الإسلامية، ويمكن ان ترجع هذه المراحل جميعا إلى مرحلتين اثنتين بحسب طبيعة الطريقة التي يعالج بها المؤلف إشكالية كتابه. فالمقدمة والفصل الأول الأخير تتخذ في وظيفة علاج الإشكالية علاجا تاريخيا قانونيا (صورة الحداثة) وعلاجا عقديا (مادة الحداثة). لكننا نفضل تنضيد خطة الكتاب بالصورة الأولى، لكونها تلائم افضل ملاءمة وحدته العضوية ومنطقه الداخلي.

جريدة القدس العربي : 28 / 10 / 1999 م

المغرب: 80 ألف موظف "شبح" يتقاضون أجورا من الدولة دون العمل في مؤسساتها




المغرب: 80 ألف موظف "شبح" يتقاضون أجورا من الدولة دون العمل في مؤسساتها


الرباط - خدمة قدس برس


تعاني الإدارة المغربية من موظفين أشباحا، يستلمون رواتب مستمرة، دون أن تكون لهم أي صلة بالإدارات الحكومية. ولمواجهة هذه الظاهرة عقد الوزير الأول المغربي إدريس جطو اجتماعا وزاريا خصصه للبحث عن وسيلة لإخراج الأشباح من الإدارات المغربية. ويتعلق الأمر بحوالي 80 ألف "موظف"، حسب الإحصائيات الرسمية، يتقاضون رواتبهم، وفي بعض الأحيان يتقاضون مكافآت مالية، إضافة إلى رواتبهم، رغم أنهم لا يلتحقون بمقرات عملهم، وبعضهم لا يعرف مقر الإدارة، التي يفترض أنه يعمل بها، مما يسبب نزيفا حادا للخزينة المالية المغربية، التي تشكو من ثقل كتلة أجور الموظفين.

وجاء في بلاغ صادر عن الوزارة الأولى أن جطو أكد، خلال الاجتماع الوزاري، "أن الحكومة عازمة على التصدي بقوة وحزم لهذه الظاهرة، التي تخل بمبادئ حسن التدبير، وتؤدي إلى هدر الموارد المالية للدولة، وتمس بسمعة الإدارة". وشدد على أن كل الأجهزة الإدارية المكلفة بالتدبير والمراقبة وبأداء الأجور ستتخذ كافة الإجراءات والتدابير الكفيلة باستئصال هذه الظاهرة.

وفي هذا الصدد، يضيف البلاغ، قررت الحكومة اتخاذ مجموعة من الإجراءات تتمثل في ضبط دقيق لهؤلاء الموظفين والأعوان ورصدهم، والأمر بإيقاف رواتبهم الشهرية، وتطبيق المقتضيات التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل في هذا المجال، ولا سيما تلك المتعلقة بترك الوظيفة، واستدعاء المجالس التأديبية للاجتماع عند الاقتضاء، قصد النظر في هذه الحالات.

وأشار البلاغ إلى أنه سيتم بناء على ذلك إنزال عقوبة العزل على كل من ثبت أنه متخل عن عمله، أو تارك لوظيفته، بدون موجب قانوني. كما أكد رئيس الحكومة أن "مختلف الأجهزة الإدارية المعنية ستعمل على تتبع هذه العملية عن كثب، وعلى الاستمرار في ضبط مثل هذه الحالات وزجرها".

وفتح ملف ما أصبح يعرف في المغرب بـ"الموظفين الأشباح" منذ عشر سنوات من قبل الصحافة المحلية، ومن قبل بعض الأحزاب. ومع وصول حكومة الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي عام 1998 إلى الحكم، صار مصطلح "الموظفون الأشباح" معروفا حتى لدى رجل الشارع البسيط، بسبب كثرة تداوله، وتعهد حكومة التناوب، التي قادها اليوسفي، بطرد عشرات الآلاف من الأشباح، الذين استوطنوا في مرافقها العمومية، بسبب استشراء الفسا.

لكن كل المحاولات باءت بالفشل، وكل التعاويذ التي سمعها الرأي العام المحلي لم تفلح مع الأشباح، الذين يستقر أغلبهم داخل وزارة التربية الوطنية، حيث قدرت الإحصائيات وجود حوالي 20 ألف موظف شبح داخل الوزارة.

ويعزي المراقبون عجز الحكومات المتوالية عن وضع حد لهذه الظاهرة الغربية، إلى كون أغلب هؤلاء "الأشباح" يكونون "مسنودين" من قبل جهات نافدة، إذ إن أقارب بعض المديرين السابقين أو المسؤولين كانوا يحصلون على رواتب من الإدارة المغربية، رغم تواجدهم في بعض الأحيان خارج التراب المغربي، على اعتبار أنهم موظفون في سلك الوظيفة العمومية.

كما أثارت الصحف خلال حكومة اليوسفي وجود عدد من الخادمات اللواتي كن مسجلات على أنهن موظفات لدى الدولة، في حين أنهن يعملن في بيوت بعض المتورطين في قضايا الفساد، التي فتح العديد منها في السنوات القليلة الماضية. ونفس القاعدة تنطبق على العديد من الفراشين والسعاة، الذين يتقاضون رواتب من الدولة، ويعملون داخل بيوت بعض المسؤولين.

ولا يقتصر الأمر على المراتب الوظيفية الدنيا، بل شمل انتشارهم كل المراتب الإدارية، التي يتوزع عليها "الأشباح"، الذين يطالبهم اليوم الوزير الأول المغربي بالمغادرة الطوعية، أو انتظار تعقبهم وقطع رواتبهم، أو الالتحاق بمقرات عملهم.

ومن الحلول التي تقترحها الحكومة المغربية على 80 ألف موظف شبح أن يقدموا طلب المغادرة الطوعية من الوظيفة العمومية، مقابل حصولهم على تعويضات مالية عن "سنوات الخدمة"، التي يفترض أنهم قضوها داخل الإدارة، مما يؤكد عجز الحكومة عن اتخاذ إجراءات صارمة تصل حد المتابعة القضائية في حق هذه الفئة من "الأشباح".

كما أنها تسعى للخروج بأقل ضرر، عبر تخفيف كاهل الإدارة العمومية من كتلة أجور لا تستفيد منها في شيء، وطرد "الأشباح"خارجها، وفي نفس الوقت تأمين عدم إثارة أية عواصف قد تحركها المتابعات القضائية، خصوصا أن المتورطين أو الوسطاء غالبا ما يكونون في مناصب حساسة.

16 مارس 2005

الخميس، مارس ٠٢، ٢٠٠٦

السياسة في نفق السرية: إنها "غلاديو"

السياسة في نفق السرية: إنها "غلاديو"
بقلم / ممدوح الشيخ
لم يكن محمد عبده مخطئا عندما أطلق صيحته التي جرت مجرى المثل السائر "لعن الله ساس ويسوس وما يشتق منها"، فعلى امتداد التاريخ الإنساني لم تنجح أمة في أن تحترم مقولات: "الشفافية" و"المصارحة" في الممارسة السياسية، والاستثناءات النادرة تؤكد القاعدة ولا تنفيها، فدائما هناك "أسرار" ودائما يختلف ما تحت الطاولة عما فوقها بل أحيانا يتناقضان تناقضا تاما. وقد أدت هذه السمة في ازدياد أهمية الوثائق الرسمية التي اصطلح السياسيون شرقا وغربا على فرض حجاب السرية عليها لفترات متفاوتة تبعا لأهميتها وخطورة الكشف عنها، وبناء على ذلك عرفت البشرية حروب الأرشيفات السرية وتبادلت القصف بالوثائق من تسريب اتفاقية "سايكس بيكو" مرورا بـ "أرشيف ميتروخين" إلى الكشف عن أسرار العملية "جلاديو".
كشف المستور
تسود ثقافة كشف المستور غالبا بين الحلفاء السابقين عندما تتفرق بهم السبل وتنفصم عرى تحالفهم والمثل العربي القائل:
احذر عدوك مرة
واحذر صديقك ألف مرة
فلربما انقلب الصديق
فصار أعلم بالمضرة.
يلخص خبرة إنسانية ربما مرت بكل منا. وما شهدته العلاقات الأمريكية الأوروبية - وبخاصة الأمريكية الفرنسية – مثال مثير في هذا السياق، فبعد أن شارك الأمريكيون بالنصيب الأكبر في عملية "نورماندي" التي حررت فرنسا من الاحتلال النازي وبعد تحالف طويل تحت مظلة حلف الناتو بدأت السبل تتفرق بالحليفين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ثم اتسع البون على نحو كبير بدءا من النصف الثاني من التسعينات. وقد اختار الفرنسيون لتقليص نفوذ الحليف السابق سلاح "كشف المستور" لتصبح الأنشطة السرية المشتركة صفحات سوداء في كتاب السياسة الأمريكية يجب فضحها وتسليط الأضواء عليها.
وقد تحولت معركة كشف المستور فعليا إلى حرب تكسير عظام عندما كشف تقرير رسمي أوروبي صدر عام 1998 عن إحدى لجان الاتحاد الأوروبي عن وجود شبكة تجسس هي الأكبر من نوعها في التاريخ تديرها الولايات المتحدة في قارات العالم الست خارج إطار حلف الناتو وبالتعاون مع حلفاء ينتمون جميعا للتشكيل الحضاري الإنجلوسكسوني البروتستنتي (بريطانيا – استراليا – نيوزيلندا). وعلى ما يبدو فإن الحرب على العراق قطعت شعرة معاوية بين الطرفين فبدءا يتبادلان القصف ويتسابقان على الكشف عن المستور.
العملية جلاديو
المستور هذه المرة كشف عنه الكاتب الفرنسي تيري ميسان الذي حقق كتابه "الخدعة الرهيبة" حول اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر ضجة كبيرة، والعملية جلاديو رمز يستخدم للإشارة إلى شبكات تدخل خارجي أمريكية كان هدفها مراقبة الديموقراطيات الأوروبية خوفا من وصول الشيوعيين للحكم، أما كيف فهذا ما كشف عنه ميسان وهو رهيب!!.
وهذه الشبكات التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية كشف عن وجودها للمرة الأولى عام 1990 قاضيان إيطاليان (فيليس كاسون وكارلو ماستيلوني) كلفا بالتحقيق في سقوط طائرة عسكرية عام 1973 وانفجار سيارة مفخخة في مدينة إيطالية وقد جمعا العديد من الشهادات والمعلومات لإثبات أن ثمة جهاز سري يتحكم في إيطاليا في ظل المؤسسات الرسمية. وبينما هما يستدعيان إلى مكتبهما العديد من الشخصيات السياسية في البلاد، أصدر رئيس الوزراء الإيطالي جوليو أندريوتي وبشكل علني بتاريخ 27 أكتوبر 1990 تصريحا مؤكدا فيه وجود مثل تلك القوى.
وما كشفت عنه التحقيقات أن الخوف من النموذج السوفييتي قياسا بهشاشة القوى التي كانت تتشكل منها منظمة الحلف الأطلنطي إزاء القوى الأخرى التي كانت تقود الدول الأوربية الشرقية إلى التفكير في شكل جديد من أشكال الدفاع غير التقليدي، مؤسسين على أراضيهم شبكة سرية للمقاومة موجهة للعمل في حالة الاحتلال من قبل "الأعداء".
ونتيجة خطورة المعلومات التي كشفت عنها التحقيقات تم تشكيل لجان برلمانية للتحقيق في كل من: إيطاليا، سويسرا، بلجيكا وكانت نتيجة تلك التحقيقات قاسية إلى درجة أن دولا أخرى مثل فرنسا اختارت على حد تعبير تيري ميسان نفسه: "الغوص في التكذيب". أما في ألمانيا فكشفت الصحف الألمانية عام 1952 عن حركات يمينية متطرفة التي تعد لعمليات اغتيال ضد شخصيات يسارية في حالة وقع اجتياح سوفييتي، التي تحضر لعمليات اغتيال ضد شخصيات من اليسار في حالة وقع اجتياح سوفييتي، وكانت هذه الحركات اليمينية مدعومة عسكريا من مكاتب سرية من الحلف الأطلنطي.
حديث الوثائق

وقد تسربت عن هذه الشبكة معلومات قليلة خلال العقود الماضية، فتم ذكرها عام 1976 في تقرير لجنة تحقيقات برلمانية أمريكية حول السي أي آي ترأسها السناتور فرانك شورش ووفق تقريره فإن الشبكة تتكون من ثلاث ملايين متعاون عام 1952، وميزانية سنوية مقدرة بمائتي مليون دولار. ثم نشرت عنها عام 1978 معلومات كشف عنها في سيرته الذاتية وليم كولبي أحد الذين ترأسوا الشبكة ذات يوم. ثم وفي عام 1982 نشر العقيد ألفريد بادوك قائد الفرقة الرابعة للعمل النفسي معلومات أخرى في تحقيق في السي أي آي. أما جون لوفتوس فكشف عن تشغيل ضباط نازيين في جلاديو!!.
والشبكة التي كانت تعرف في إيطاليا باسم "غلاديو" عرفت بأسماء أخرى فهي في النمسا "شبكة شوير"، وفي بلجيكا الدنمرك إسبانيا فرنسا "وردة الرياح" وفي اليونان "تواسون روج" . .
تعددت الأسماء المعنى واحد، أما العبر والدلالات فكثيرة جدا!!!

الأربعاء، مارس ٠١، ٢٠٠٦

دولة القانون ودولة التنظيم السري


دولة القانون ودولة التنظيم السري
بقلم/ ممدوح الشيخ

"الحكم على شيء فرع عن تصوره" قاعدة ذهبية في علم أصول الفقه، ومنها يمكن أن نشتق "إصلاح شيء فرع عن تصوره" فلا أمل في إصلاح سياسي في العالم العربي دون معرفة بالـ "شئ" الذي نصلحه، وعبر تجربة حكم نخب التحرر الوطني تبلور نموذج سياسي لخص المفكر الإسلامي المرموق الدكتور أبو يعرب المرزوقي أهم سماته في تعبير "التحديث الاستبدادي والبهائية المتخفية" حيث دخل الثوريون العرب تجربة "إصلاح" – أو تحطيم – الشعوب بدلا من إصلاح الدولة وذلك حتى يصبح المواطنون متوافقين مع شكل للدولة معد ومستورد من أوروبا هو خليط تلفيقي من النموذجين الفرنسي والألماني للدولة القومية.
غير أن الدولة التي بدأت – أو حاولت أن تبدو – دولة قانون تحديثية سقطت أقنعتها فإذا هي دولة تنظيم سري أكثر همجية وبربرية مما يذهب الخيال، والصدمة الأولى لم تكن عربية بل كشف عنها سقوط نظام حكم الرئيس الرواندي هابيريمانا بنهاية الحرب الأهلية الرواندية (1994) فالسقوط غير المتوقع للنظام لم يتح فرصة للتخلص التام من وثائقه وحمل الكشف عنها مفاجأة كانت القوى الأوروبية المتحالفة معه تعرفها وتشاركه التستر عليها.
فالرئيس الرواندي السابق هابيريمانا كان مرتبطا بعلاقات وثيقة مع العائلة المالكة البلجيكية وفرنسا واستنادا إلى دعمهما المطلق تحول إلى الرئيس/ الملك ورغم هذا فإن القوة الحقيقية كانت تكمن في يد زوجته أجاسي التي كان الروانديون يلقبونها باسم شخصية رهيبة من تاريخ بلادهم وقد أحاطت نفسها بمجموعة من "متحجري القلوب" وكونت مافيا شديدة الإحكام سميت "أكازو" أي حكم القلة ومعناها "المنزل الصغير" وحسب أحد المنشقين على هذه المافيا ذات الخطاب الثوري فإنهم تعاملوا مع الدولة كشركة خاصة يحق لهم أن ينتفعوا منها قد ما يستطيعون، أما الرئيس وقادة "الحركة الثورية الحاكمة" فوقعوا في شباك هذه المافيا.
ولم تكن هذه المافيا السرية من صناعة العقلية الشعبية التي تبحث عن الغامض والسري والمثير بل أشارت إلى وجودها تقارير رسمية من بينها تقرير جوهان سويفن سفير بلجيكا (1992) في رواندا الذي جاء فيه أن هذه الجماعة السرية تخطط لإبادة التوتسي. ولم تكن السرية مقصورة على رواند القابعة في قلب أحراش أفريقيا ففي فرنسا التي كانت تدعم هذه المافيا السرية استصدرت قرارات رسمية بمضاعفة المساعدات الفرنسية لرواندا ثلاثة أضعاف وبقيت القرارات التي تخص رواندا سرا حتى تظل فرنسا غير مسئولة عن جريمتها. وعندما اغتيل الرئيس هابيريمانا كانت السيدة أجاسي على أول طائرة فرنسية تقلع من مطار العاصمة حيث تعيش في شقة فاخرة بباريس!!!!
وقد تصورت عندما كتبت عن الظاهرة لأول مرة مجتهدا في صوغ تعبير "دولة التنظيم السري" أنني أدخل بابا غير مسبوق، غير أن حوارا مع الروائي العراقي المعروف محيي الأشيقر كشف لي عن عمل مهم في هذا السياق هو كتاب "دولة المنظمة السرية" للسياسي العراقي حسن العلوي الذي كان من قيادات البعث ووصف في كتابه جانبا من البنية السرية للنظام العراقي و"المناطق المحرمة" في السياسة العراقية التي لم يكن يسمح لأحد من خارج الحلقة الضيقة بدخولها، وما كشف عنه كتاب العلوي ووثائق النظام الرواندي السابق أن القضية تتجاوز المنطق التآمري والهوس بالسرية والغموض اللذان يرفعان في وجه من يحاولون لفت النظر للأهمية الجدية لطبيعة السرية للممارسة للسياسة العربية خلال نصف القرن الماضي.
وقضية السرية تعيد للذاكرة أسماء مثل: "جماعة تركيا الفتاة" في تركيا و"تنظيم العروة الوثقى" الذي أسسه جمال الدين الأفغاني وكانت باريس محطة مهمة في مساره، و"جماعة الكتاب الأحمر" في الشام والعراق، و"التنظيم الطليعي" في مصر، وكذا الأدوار الحاسمة التي قامت بها أقليات في التاريخ العربي الحديث، وفي هذه الحالات جميعا نحن أمام عملية "ترانسفير" للسياسة من الجهاز الإداري للدولة إلى بنى سياسية موازية تتسم بالغموض وتمسك بخيوط القرار السياسي عبر آليات خفية.
وإذا كانت الحقائق في دولة القانون توجد في الوثائق – أو هكذا ينبغي أن يكون – فإنها في دولة التنظيم السري تكون ملك أشخاص وهنا تغيب الوثيقة والحقيقة معا، ومن يتابع المناقشات التي تشهدها دول عربية عديدة حول الوثائق الرسمية وقلتها وصعوبة الوصول إلى القليل الموجود منها يدرك أن "تغييب الحقائق" أصبحت ثقافة عامة وأن التعليمات الشفوية والتفاهمات الضمنية قد حلت محل الإجراءات القانونية التي هي أول معالم دولة القانون.
والازدواج في دولة التنظيم السري يتجاوز البنى السياسية إلى الأجندات السياسية، ففي ظل نظام شمولي لا مكان فيه لمعارضة أو مساءلة كالنظام البعثي أو الناصري لا معنى لدولة التنظيم السري إلا أن تكون هناك أجندة سياسية لا يمكن إعلانها، ومن ثم تصبح عملية "الترانسفير" من المعلن إلى السري ضرورة، وعلى الأرجح هذا هو المبرر الحقيقي لوباء التوريث الذي يجتاح جمهوريات المنطقة العربية، حيث تحل "أسرة" محل التنظيم السري وتبقي الحقيقة/ الوديعة تنتقل من جيل لجيل داخل هذه الأسرة على نحو ما كان يحدث في تقاليد الكهانة الفرعونية.
وعندما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية عبر "مبادرة الشرق الأوسط الكبير" لإدخال الشعوب طرفا في العملية السياسية فإنها بذلك إنما تسعى لهدم دولة التنظيم السري وهي على الأرجح راغبة في ذلك متوجهة إليه عن قصد، فاختيار النظام العراقي كان مدروسا بعناية وتشير القلاقل السياسية التي أعقبته إلى أن الضربة أصابت بيتا مملوءا بالأفاعي فخرجت في معركة أخيرة دفاعا عن الوجود. بل لعل "دولة التنظيم السري" تكون التفسير الوحيد لما يحدث في العراق من عنف منظم شرس قادر على اختراق الدولة العراقية الجديدة، فالنظام البعثي سقط وتلقت دولة التنظيم السري العراقية بسقوطه ضربة قوية لكنها لم تتحطم، وكما كانت قادرة وهي في الحكم على أن تفرض على العراقيين ما تشاء بالحديد والنار فإنها الآن تحاول أن تفرض على العراقيين ما تشاء بالسيارات المفخخة.
وقد كشفت وثائق مخابراتية رفع عنها حجاب السرية قبل سنوات أن أجهزة المخابرات الغربية استخدمت رواية "دكتور زيفاجو" الشهيرة سلاحا في الحرب الباردة على نحو واسع وترجمتها ونشرتها على أوسع نطاق لكشف الطبيعة الدموية للنظام السوفيتي البائد، وفي ضوء هذه الحقيقة وتجارب أخرى مماثلة فينبغي الانتباه لدلالات الانتشار الواسع لرواية "شيفرة دافينشي" لدان براون وهي مما يطلق عليه البعض "رواية مصنعة"، فمحتواها التاريخي صحيح وهو نتاج جهود عشرات الباحثين، وبالتالي فهي عمل تأريخي في قالب روائي، والرواية تحكي قصة الصراع بين محافل سرية أوروبية والتأثير الكبير لهذه المحافل في التاريخ الأوروبي، ومن ثم فإن توقيت النشر والضجة الصاخبة التي أثارها النشر، قد تكون محملة برسالة للشعوب العربية لوضع خط يفصل بصرامة بين "السرية اللاعقلانية" التي تمتلئ بها الثقافات الشعبية شرقا وغربا وبين "دولة التنظيم السري" التي يبدو أنها ينبغي أن تشغل العقل التحليلي العربي إن كان حقا مشغولا بقضية الإصلاح.

هذه الظاهرة . . هذا الموقع

دولة التنظيم السري: هذه الظاهرة . . هذا الموقع

بقلم/ ممدوح الشيخ
إذا كانت البشرية قد عرفت خلال تاريخها أشكالا متعددة من الاستبداد السياسي والاستئثار بالسلطة فإن اقتران هذا الاستئثار بوجود بنية للسلطة تتسم بالازدواجية والسرية هو أخطر أشكال الاستبداد على الإطلاق، فالاستبداد أي كان شكله هو انحطاط أما استبداد التنظيم السري فوباء لا يدع مجالا للإصلاح إلا بالاستئصال!!!
وللأكاديمية البريطانية المعروفة ليندا ميلفرن كتاب مهم لفهم الظاهرة خصصته لكارثة رواندا وعنوانه "شعب مضلل"، وقد أصدرت هيئة الاستعلامات المصرية ملخصا له كان المصدر الرئيس للمعلومات التي استندت إليها في القضية التي ينظرها القضاء لإبطال قرار تشكيل المجلس القومي لحقوق الإنسان حيث تورد فيه ملفرن معلومات موثقة عن صفقات أسلحة مصرية غير شرعية شحنت أولاها تحت مسمى "معونات" واستخدمت في عمليات إبادة المدنيين التي راح ضحيتها ما يقرب من مليون إنسان وقام بطرس غالي رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان بدور الوسيط لإتمام الصفقة وقت أن كان وزير دولة للشئون الخارجية.
والكتاب يكشف عن معلومات مثيرة تتصل ببنية السلطة في رواندا قبل الكارثة مباشرة فالرئيس الرواندي السابق هابيريمانا كان مرتبطا بعلاقات وثيقة مع العائلة المالكة البلجيكية وفرنسا واستنادا إلى دعمهما المطلق تحول إلى الرئيس/ الملك ورغم هذا فإن القوة الحقيقية كانت تكمن في يد زوجته أجاسي التي كان الروانديون يلقبونها باسم شخصية رهيبة من تاريخ بلادهم. وحسب كتاب ملفرن فإن أجاسي أحاطت نفسها بمجموعة من "متحجري القلوب"وكونت مافيا شديدة الإحكام سميت "أكازو" أي حكم القلة ومعناها "المنزل الصغير" وحسب أحد المنشقين على هذه المافيا ذات الخطاب الثوري فإنهم تعاملوا مع الدولة كشركة خاصة يحق لهم أن ينتفعوا منها قد ما يستطيعون، أما الرئيس وقادة "الحركة الثورية الحاكمة" فوقعوا في شباك هذه المافيا.
ولم تكن هذه المافيا السرية من صناعة العقلية الشعبية التي تبحث عن الغامض والسري والمثير بل أشارت إلى وجودها تقارير رسمية من بينها تقرير جوهان سويفن سفير بلجيكا (1992) في رواندا الذي جاء فيه أن هذه الجماعة السرية تخطط لإبادة التوتسي. ولم تكن السرية مقصورة على رواند القابعة في قلب أحراش أفريقيا ففي فرنسا التي كانت تدعم هذه المافيا السرية استصدرت قرارات رسمية بمضاعفة المساعدات الفرنسية لرواندا ثلاثة أضعاف وبقيت القرارات التي تخص رواندا سرا حتى تظل فرنسا غير مسئولة عن جريمتها!!!
وتشير دراسة ملفرن إلى دور الإعلام "الخاص!!" في صنع الكارثة ففي عام 1993 انخفضت أسعار أجهزة الراديو فجأة وأعلن عن تأسيس إذاعة خاصة ساهم فيها أعضاء مافيا الأكازو ولعبت هذه الإذاعة دورا كبيرا في إعداد الشعب نفسيا لارتكاب جريمة الإبادة. وعندما اغتيل الرئيس هابيريمانا كانت السيدة أجاسي على أول طائرة فرنسية تقلع من مطار العاصمة حيث تعيش في شقة فاخرة بباريس، ولا يفوتني طبعا أن أشير إلا أنها زارت القاهرة بعد سقوط النظام الذي تحكمه من خلف الستار ورغم كل هذه الكوارث ورغم أنها لم تكن لها أي صفة رسمية استقبلت استقبالا رسميا وفتحت لها صالة كبار الزوار!!!! وحظيت بتقدير شديد.
و"دولة التنظيم السري" أحد أهم مفاتيح فهم الواقع السياسي في جمهوريات الخوف العربية، فلا عبد الناصر وهو يحكم بإرادة الفرد المطلقة كان مضطرا لإنشاء تنظيم سري داخل التنظيم السري الأكبر المسمى الضباط الأحرار ولا كان مضطرا لإنشاء التنظيم الطليعي، ما لم تكن الأجندة السياسية الحقيقية غير قابلة للإعلان. ويصدق هذه على البنية السياسية للنظام البعثي المنهار في العراق وصديقه اللدود في سوريا، فالأقلية العلوية مختبئة خلف حزب البعث وخلف الطائفة العلوية تختبئ شبكة من العلاقات أشار إلى بعضها العماد مصطفى طلاس في كتاب الذي تسبب في إقالته من منصبه "ثلاثة أشهر هزت سوريا" وظهر فيها للمرة الأولى الدور الرهيب الذي تلعبه في الواقع السياسي السوري طائفة "عبدة الرب أبو سليمان المرشد" وهو سوري ادعى الألوهية في النصف الأول من القرن العشرين ووفرت له فرنسا ذات الخبرة العريقة في بناء مثل هذه النظم السياسية والغرام المشبوه بها.
وفي وجود دولة التنظيم السري لا معنى للحديث عن الإصلاح ما لم يتم تفكيك هذه البنية وكل دولة تريد ألا تقع في قبضة الأشباح ينبغي تولي هذه القضية اهتماما كبيرا.
وبعدين هو إيه حكاية تلازم اسم مصر وفرنسا في موضوعات مشبوهة من فنادق أمريكا لحد أحراش أفريقيا، هو إيه الموضوع؟!!!!